محمد بن المنور الميهني

21

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

وكانت الأرض مزدانة بالمشايخ العظام الذين كانوا أوتادا لأرض الطريقة وأقطابا لعالم الحقيقة ، والمريدين ( ص 6 ) الصادقين والمحبين المشفقين الذين قصروا همتهم على طلب الشريعة ووقفوا قوتهم على السير في الطريقة فإن الجميع ، لبركة ويمن عصرهم ولكي يكون لهم دليل ومعين في سلوك نهج الحقيقة ، يتذرعون به إلى تلمس الطريق لحضرة الحق ويغرقون بين الخواطر النفسانية والإلهامات الرحمانية يهدى منه ، كانوا يذكرون كثيرا أحوال ومقامات شيخنا وفوائد أنفاسه وآثاره قدس اللّه روحه العزيز ، ويقضون أيامهم في تذاكر ذلك ، ولهذا السبب لم يخص مشايخنا نور اللّه مضاجعهم في جمعه . ولما كانت جميع الخواطر مستنيرة بتلك الفوائد ، وجميع الأسماع مشنفة بسماعها وجميع الألسنة معطرة بذكرها ؛ لم تكن جماعة المنبئين في حاجة إلى إجمال هذا ولا إلى تفصيله ، لأن تلك المقامات والمقالات كانت معروفة بين الخاص والعام ، وكانوا في غنى عن جمعها . وظل الأمر كذلك حتى ظهرت حادثة الغزو وفتنة خراسان ، وجرى ما جرى في خراسان على جه العموم ، ورأينا ما رأينا وقاسينا ما قاسينا في ميهنه على وجه الخصوص . والحق أن بلدا من بلاد خراسان لم يبتل بمثل ما ابتليت به ميهنه وأهلها من المحن والمشقة ، ومصداق ذلك الخبر الذي يقول « أشد البلايا للأنبياء ثم للأولياء ثم للأمثل فالأمثل » قد تحقق لنا ولأهل خراسان جميعا وشوهد عيانا بيانا فيما ابتليت به ميهنه ، وإذا أجملنا القول قلنا إنه هلك في ميهنه وحدها بأنواع التعذيب من نار وتراب وغير ذلك مائة وخمسة عشر من أبناء الشيخ أبي سعيد الصغار والكبار واستشهدوا بحد السيف ، كما استشهد آخرون خارج المدن بسبب القحط والوباء الذي تخلف عن هذه الحادثة رحمة اللّه عليهم أجمعين . وينبغي أن نقيس على هذه الحال المريدين الصادقين والمحبين العاشقين وعظماء الدين وشيوخ الطريقة الذين احتجبوا بنقاب التراب ، فظهر قحط في الإسلام وانمحت عزته ، وفسد أمر الدين